المقريزي

203

المواعظ والإعتبار في ذكر الخطط والآثار ( ط بيروت )

وقال أبو سعيد عبد الرحمن « 1 » بن أحمد بن يونس في تاريخ مصر : إنّ صنما كان بالإسكندرية يقال له شراحيل على حشفة من حشاف البحر مستقبلا بأصبع من كفة قسطنطينية لا يدري أكان مما عمله سليمان النبيّ ، أم عمله الإسكندر ، فكانت الحيتان تدور بالإسكندرية ، وتصاد عنده ، فيما زعموا . قال زيد بن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : أخبرني أبي عن أبيه : أنه انبطح على بطنه ومدّ يديه ورجليه فكان طوله طول قدم الصنم ، فكتب رجل يقال له : أسامة بن زيد كان عاملا على مصر للوليد بن عبد الملك أمير المؤمنين : إنّ عندنا بالإسكندرية صنما يقال له : شراحيل من نحاس ، وقد غلت علينا الفلوس فإن رأى أمير المؤمنين أن ينزله ويضربه فلوسا فعل ، وإن رأى غير ذلك فليكتب إليّ من أمره ، فكتب إليه : لا تنزله حتى أبعث إليك ضمناء يحضرونه ، فبعث إليه رجالا أمناء حتى أنزل من الحشفة ، فوجدوا عينيه ياقوتتين حمراوين ليس لهما قيمة فضربه فلوسا ، فانطلقت الحيتان فلم ترجع إلى ما هناك . وأما الزكاة : فإنّ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أوّل من جباها بمصر . قال القاضي الفاضل في متجدّدات سنة سبع وستين وخمسمائة ثالث عشر ربيع الآخر ، فرّقت الزكوات بعد ما جمعت على الفقراء والمساكين وأبناء السبيل والغارمين ، بعد أن رفع إلى بيت المال السهام الأربعة وهي : سهام العاملين ، والمؤلفة ، وفي سبيل اللّه ، وفي الرقاب ، وقرّرت لهم فريضة واستودى على الأموال والبضائع وعلى ما يتقرر عليه من المواشي ، والنخل والخضراوات . قال : والذي انعقد عليه ارتفاع الجوالي لسنة سبع وثمانين وخمسمائة ثلاثون ألف دينار ، والزائد في معاملة الزكاة ودار الضرب لسنتي ست وسبع وثمانين وخمسمائة أحد وعشرون ألف دينار وثمانمائة وأحد وستون دينارا . وقال في سنة ثمان وثمانين واستخدم ابن أحمدان في ديوان الزكاة وكتب خطه بما مبلغه : اثنان وخمسون ألف دينار لسنة واحدة من مال الزكاة ، وجعل الطواشي قراغش الشادّ في هذا المال ، وأن لا يتصرّف فيه بل يكون في صندوق مودعا للمهمات التي يؤمر بها . ولما قدم ابن عنين الشاعر من عند الملك العزيز سيف الإسلام طفتكين بن نجم الدين أيوب بن شادي ملك اليمن إلى مصر ، وقد أجزل صلته عندما وفد عليه وفارقه ، وقد أثرى ثراء كثيرا ، قبض أرباب ديوان الزكاة بمصر على ما قدم به من المتجر وطالبوه بزكاة ما معه ، وكان ذلك في أيام الملك العزيز عثمان بن صلاح الدين يوسف بن أيوب بن شادي فقال :

--> ( 1 ) هو مؤرخ محدث له تاريخان أحدهما كبير ( أخبار مصر ورجالها ) ، والثاني صغير ( ذكر الغرباء الواردين إلى مصر ) توفي سنة 347 ه . الأعلام ج 3 / 294 .